كيف تبدأ تجربتك الإكلينيكية؟ من القلب إلى القلب!
مقال: بشرى سلمان – رئيسة الصيدلية الداخلية
إحدى الامتيازات الرئيسة للأطباء العاملين في مراكز البحوث ذات المستوى العالمي هي فرصة المشاركة في البحوث السريرية: إذ إن معظم المرضى الذين يأتون إلى هذه المؤسسات يكونون على استعداد للمشاركة في دراسات ذات مغزى يمكن أن تحدث ثورة في الممارسة الطبية وتعزز نتائج علاجهم ونتائج علاج المرضى الآخرين.
هناك نوعان رئيسان من البحوث السريرية: الدراسات القائمة على الملاحظة، والدراسات التدخلية أو التجارب السريرية. في هذه المقالة، سأركز على كيفية بدء تجربتك السريرية، والتي تغطي الخطوات الرئيسة المعنية، من التخطيط وتوليد الأفكار وتسجيل المشاركين إلى تنفيذ الدراسة. سأشارك أيضًا تجربتي الخاصة في بدء تجربة سريرية بالتعاون مع قسم التجارب السريرية في مركز السلطان قابوس المتكامل لعلاج وبحوث أمراض السرطان.
أولًا، يجب تحديد سؤال البحث والفرضية قبل تصميم التجربة. غالبًا ما يكون السؤال الناتج مدفوعًا بالملاحظة (على سبيل المثال، ارتفاع معدل السُّمية الذي لوحظ مع دواء جديد)، ولكن قد يكون مدفوعًا أيضًا بالتكنولوجيا الجديدة أو الرغبة في تقييم الفعالية النسبية لإستراتيجيتين علاجيتين. كما يقولون، “كل بداية صعبة، لكنها تصبح أسهل من هناك فصاعدا”، قد تتطلب هذه الخطوة مراجعة شاملة لاستكشاف حداثة سؤال البحث والجدوى والتحديات المتوقعة.
بعد إنشاء السؤال، يجب تحديد مجتمع الدراسة المناسب، فمثلًا في الأبحاث التي تركّز على مرضى السرطان، يجب مراعاة المعايير التفصيلية مثل نوع السرطان والمرحلة والفئة العمرية وما إلى ذلك. فضلًا عن ذلك، بالنسبة للتجارب السريرية المقارنة، يجب تحديد المجموعة الضابطة. يمكن أن تتكون هذه المجموعة من متطوعين أصحاء أو مرضى يتلقون علاجًا “أقدم” وذلك للمقارنة بالعلاج الذي تم استكشافه حديثًا.
يعد حساب القوة الإحصائية ضروريًّا لتحديد حجم العينة المناسب للدراسة، وذلك من خلال تقييم الاختلافات المتوقعة بين مجموعة الدراسة والمجموعة الضابطة بناءً على الأهداف ذات الأهمية، وهذا يتطلب تقديرًا يستند إلى مراجعة واسعة ومعرفة وخبرة الباحثين المعنيين؛ لذلك فإن وجود اختصاصي إحصاء منذ بداية الدراسة مفيد للغاية.
تتطلب معظم المؤسسات موافقة لجنة المراجعة الأخلاقية والعلمية للبحث العلمي (IRB) قبل تعيين المشاركين. قد يكون لدى كل لجنة مختلفة متطلبات مختلفة قليلا، ولكن عادة ما تكون هناك حاجة إلى وصف واضح لخلفية الدراسة، والأساس المنطقي، والأهداف، والمنهجية، وحجم العينة، والمخاطر المتوقعة، والآثار المترتبة على الكُلفة بالنسبة للمؤسسة، ونسخ من استمارات الموافقة.
إضافة إلى ذلك، تحتاج IRB إلى الموافقة على بروتوكول الدراسة، ويختلف بروتوكول البحث عن مقترح البحث في أن المقترح مكتوب لإقناع IRB بقيمة الدراسة وضرورتها، مما يوفر شرحًا موجزًا لتصميم البحث وقياس النتائج. في المقابل، يحتوي البروتوكول على خطة مفصلة للدراسة، مع مراعاة مواقف الحياة الواقعية. قد تحدث تعديلات على البروتوكول بعد بدء التجربة السريرية مع ظهور سيناريوهات وتحديات واقعية.
كانت تجربتي الشخصية في إعداد تجربة سريرية حول “تأثير تعدد الأشكال الجينية على الاستقلاب الدوائي، وسمية أدوية العلاج الكيميائي من نوعية الفلوروبيريميدين” مميزة ؛ ليس فقط لأني احتجت إلى ثلاث سنوات لإحضار الدراسة إلى العيادة وإشراك مرضى حقيقيين، ذلك بسبب الجهد والصعوبات في تحسين البروتوكول، إلى درجة أني بدأت أعتقد أن التجارب السريرية “حلمٌ لن يتحقق أبدًا!”، لكن – على غير المتوقع – فإن التنفيذ الفعلي للبروتوكول سار بسلاسة تامة، أفضل بكثير من أي حلم كان يمكن أن يتحقق!
وإني أؤمن بأن هذا النجاح يعود بشكل أساسي لخبرة ممرضة التجارب السريرية التي انضمت للدراسة في وقت لاحق؛ لذا أنصح المهتمين بالتجارب السريرية بإشراك ممرض/ة التجارب السريرية منذ اليوم الأول لبدء الدراسة!




وفيما يلي تفصيل موجز للنقاط الزمنية في تجربتي السريرية:
1. مارس 2020 – مارس 2021: توليد الأفكار، الإطار النظري، والوعي بالحاجة التكنولوجية، وكتابة المقترح، وإنشاء البروتوكول، وتطوير الموافقة. نظرًا لأن الدراسة تضمنت تخصصات متعددة (مثل أطباء علم الوراثة والصيدلة)، فقد عُقدت اجتماعات منفصلة مع كل خبير لتحديد الأدوار والعينات والفحوصات المطلوبة. احتاج فريق مختبر البحث إلى تصميم قاعدة بيانات جينية متخصصة خاصة لهذه الدراسة، والتي كانت شاملة وفعالة من حيث الكُلفة في الوقت نفسه.
2. أبريل 2021 – فبراير 2022: تم تقديم عروض تفصيلية وحلقات عمل متعددة حول التجربة لجميع الموظفين المعنيين، وفي الوقت نفسه كان فريق العمل يستعد لإدخال وتجهيز المعدات والمرافق الأخرى المطلوبة.
3. مارس 2022 – نوفمبر 2022: طوّرت رئيسة ممرضي التجارب السريرية ملف تجربة للتوثيق وحفظ السجلات. طُلب من الممرضات والصيادلة والأطباء المندوبين إكمال شهادة “الممارسة السريرية الجيدة (GCP)”. قبل قبولهم كباحثين أو مساعدين في الدراسة، خضع جميع الباحثين لتدريب شامل على أدوارهم في التجربة السريرية، بما في ذلك المضمدون الذين سينقلون عينات الدراسة إلى المختبرات المخصصة. إضافة إلى ذلك، تم طلب جميع المعدات والمواد الاستهلاكية والمصادقة عليها. فضلا عن إنشاء عيادة التجارب السريرية في نظام معلومات المركز (HIS)، للسماح للمتطوعين الأصحاء وكذلك المرضى القادمين إلى المركز للمشاركة في هذه التجارب بحجز موعد في العيادة التابعة للتجارب السريرية، وإجراء تحاليل المختبر وغيرها.
4. ديسمبر 2022 – فبراير 2023: تم الإعلان عن حملات للمتطوعين الأصحاء كمجموعة ضابطة للدراسة. كان لدينا ثلاث حملات وتمكّنا من تسجيل نحو 120 متطوعًا سليمًا، وتم إرسال رسالة “شكر” إلى جميع المتطوعين المشاركين كعلامة تقدير لمشاركتهم!
5. يناير 2023 – وقتنا الحالي: مع بداية العام الجديد، كان لدينا أول مريض حقيقي مسجل في الدراسة.
إن الشروع في مسار البحث السريري وإجراء تجربة سريرية هو بلا شك مهمة هائلة، إنه ينطوي على تخطيط دقيق وتفانٍ ومثابرة في مواجهة التحديات غير المتوقعة. بشكل عام، كانت رحلة طويلة وصعبة. ومع ذلك، كانت التجربة نفسها مجزية للغاية. على الرغم من التحديات اليومية مثل النتائج غير المتوقعة للمرضى، ونقص الموظفين، وأوقات أخذ العينات دون المستوى الأمثل، والعديد من العقبات الأخرى التي قد تظهر، فقد حافظ فريقنا على قلوب وعقول منفتحة. على الرغم من الصعوبات، فإن القدرة على المساهمة في التقدم في العلوم الطبية وتحسين رعاية المرضى هي دافع قوي. بينما نواصل رحلتنا في عالم الأبحاث السريرية، دعونا نتذكر أن كل تجربة وكل اكتشاف وكل مريض نساعده يقربنا من مستقبل أكثر إشراقًا في مجال الرعاية الصحية. بالتصميم بقلب وعقل منفتح، يمكننا إحداث تأثير دائم على عالم الطب وحياة أولئك الذين نهدف إلى خدمتهم.