الدعم النفسي لأسرة المصاب بالسرطان.. هل هو ضروري؟
هل تحتاج الأسرة إلى دعم نفسي مثل المصاب بمرض السرطان؟ هنا نحاور الدكتورة زينة الشربتي، اختصاصي أول (أ) علاج نفسي إكلينيكي، بمركز السلطان قابوس المتكامل لعلاج وبحوث أمراض السرطان، عن الدعم النفسي للأسرة ومجالاته وطرقه، ومدى تقبل الأسرة العمانية لهذا النوع من العلاج، وكيف تتعامل مع التصورات الناتجة عن الإعلام والتلفزيون..!
احتياج الأسرة للدعم النفسي
“تحتاج الأسر للدعم بدرجة كبيرة جدًّا، ربما بدرجة احتياج المريض نفسه للدعم النفسي. من المهم أن نعلم أن المريض حين يشخّص بمرض مثل السرطان يمرُّ بمراحل الفقد: الإنكار، القلق، الغضب، المقايضة، الاكتئاب، التقبل. وربما يظن بعضهم أن هذه المراحل تمر بصورة خطية، أي ينتقل الشخص من مرحلة لأخرى، في حين أنها لا تمرّ هكذا على أرض الواقع؛ فمن الممكن أن يتقبل اليوم الشخص المرض، ثم تعترضه أمورمختلفة، فيعود لمرحلة الإنكار مثلا!.
الحقيقة أن هذه العملية قد تأخذ أشهرًا، وقد نرى مصابين بعد عام وعامين يبدؤون بالإنكارالذي لم يراودهم سابقًا، والعائلة مثل المصاب تمر بهذه المراحل وعليه تحتاج للدعم النفسي مثل المصاب تمامًا. ويعتمد تقدير الدعم على طبيعة المصاب، فقد يكون المصاب أول طفل في العائلة، وقد يكون البنت الكبرى التي لتوها تزوجت أو أنجبت أو هي الابنة الوحيدة، أو من الممكن أن يكون المصاب هو الأب، المعيل الوحيد للعائلة، فتفاعل الأسرة يختلف إثرًا لطبيعة المصاب؛ وبناءً على الحالة يتحدد مقدار الدعم النفسي”.
مجالات الدعم النفسي للأسرة
“ثمة مجالات عديدة ففي بداية التشخيص ربما تحتاج الأسرة ليد تربت عليها، ولمن يخبرها أن مشاعرها عادية ومقبولة ومتوقعة وكثيرون يمرون بها. من ناحية أخرى نحن مجتمع “جمعي” الكل يتكاتف فيه لتقديم المساعدة، فمن المهم تقبل دعم الأصدقاء والجيران. كما تحتاج الأسر للتوجيه من أجل إخطار المريض بحقيقة مرضه ودعمه في اتخاذ قراره عوض أخذ قرار عنه قد لا يكون الأنسب له، شاهدنا أسرًا لا تخطر مصابيها خوفًا عليهم ورغبة بحمايتهم، فمن المهم أن يُقدّم للمريض المعلومات التي يحتاجها وتوجيه الأسرة لدعم هذا المريض”.
الأسرة العمانية والدعم النفسي
“هذا سؤال مهم جدًّا، نحن نرى كثيرًا من الأسر العمانية تتقبل الأمر بصدر رحب وروح متصالحة، لكن في المقابل نرى أُسرًا لديها علامات كثيرة تدل على القلق ويُطلب منها زيارة المعالج النفسي ولكنها ترفض؛ ولكن بصورة عامة لاحظت أنه ثمة تقبلًا كبيرًا، وبعض الأسر التي تزور المركز ترغب بنفسها منذ بداية العلاج أن يكون المعالج النفسي معهم خطوة خطوة”.
طرق الدعم ومدى نجاحها
“في كثير من الأحيان أثبتت جلسات الدعم، أو الجلسات النفسية مع العائلة؛ نجاحها الفعال جدًّا. وغالبًا الأسر التي تطلب هذه الخدمات تكون متقبلة للخدمة لذا نجد الأثر واضحًا والنتيجة مثمرة. الأمر الأساسي الذي أعمل عليه كمعالجة نفسية هي أني أستفيد من كل المدارس بما يناسب العائلة وأجده مفيدًا لها، لكن على نحو أساسي أركز على العلاج المعرفي السلوكي، في البدء نتعامل مع “كيفية التواصل بين أفراد العائلة” لأن هذه هي الركيزة الأولى، إذ يحدث في أحيان كثيرة أن الزوجين يمثّلان القوة، فلا يعبران عن مشاعرهما ويواجهانها بالكبت لكي لا يوسما بالضعف!
هنا يحاول المعالج أن يكتشف ما يدور بخلد أفراد الأسرة من أجل تحديد الحلول المناسبة وطرحها على الطاولة لتجاوز المرحلة من خلال خطة واضحة. أحيانًا نطلب منهم كتابة المشاعر والمخاوف والأفكارفي دفتر معين يوضع في مكان معلوم لكي يتسنى لكل فرد الإطلاع عليه وفهم الطرف الآخر، وثمار هذه العلاجات مفيد جدّا، وفي أحيان لا تحتاج الأسر لجلسات طويلة.
من ناحية أخرى دائمًا ما نحثُ كلّ فرد في الأسرة على الاهتمام بنفسه، فكثيرا ما تترك الأخت أو الأخ أو الأب أو الأم هواياتهم ورعايتهم لأنفسهم ويكرسون جهدهم للمصاب، وهذا خطأ شائع، ونحن نشجعهم على التركيز على حياتهم والرجوع إليها إلى جانب دعم المصاب”.
الإعلام والسرديات والفكر النقدي
“عندما كنت في سن أصغر كنت أتأثر أيضًا بما نشاهده في الإعلام والدراما وأظن أن تلك الحقيقة، ونحن نواجه هذا الأمر مع الأسر إذ تظن أن ما يظهر في الأفلام مثلا هو الواقع، فمثلا اقتران السرطان بالموت منتشر كثيرًا، ومع الأسف هذه الأفكار المغلوطة ليست مع مرض السرطان فحسب بل مع أمراض أخرى كالأمراض النفسية، نعم على نحو ظاهر أو مبطن هذه الفكرة الخاطئة موجودة، رغما من أن هناك الكثير من الناجين والمتشافين الذي يعودون لحياتهم الطبيعية لاسيما مع تقدّم الطب والعلاجات. فعلى أفراد المجتمع تفعيل “الفكر النقدي” وأخذ المعلومات من مصادرها الطبية.
وحتى على نطاق العلاجات والأعراض، تحمل الأفلام، اتساقًا مع الحبكة الدرامية، أفكارًا خاطئة، فيظهر المصاب برأس حليق أو فاقدًا لشعره، والأنابيب متصلة بجسده! قد تكون هذه أعراض العلاج الكيماوي نعم، ولكن ليس كل أنواع العلاجات، وليس في كل مراحل المرض، وليس أيضًا كل نوع من السرطان، فالآثار تختلف، وهذا ما يجب على الأسر إدراكه”.
كلمة أخيرة
“من المهم للإنسان أن يفعّل جميع مهاراته في التفاعل والتأقلم مع المصاب، مهم أن تتعامل الأسر مع الأمور ببطء، ألا تستبق الأحداث، ألا تقفز للاستنتاجات، أحث الأسرة دائما على كتابة كل أسئلتها وطرحها على الطبيب عند لقائه، وألا تذهب إلى الإنترنت بحثًا عن الأجوبة، فالدكتور درس سنوات عديدة ليكتسب الخبرة وليس من المنطق تجاهله والاعتماد على معلومات غير دقيقة المصدر أو مجهولة المصدر، فكثيرًا ما نرى الأسر والمصاب في حالة تخوف وقلق يصل للذعر بسبب معلومات قرأوها في الإنترنت، ودائما ما نطمئن المرضى أن المركز مزود بأفضل الخدمات ونحن معهم في جميع مراحل العلاج”.